عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
133
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
والتوبة من صفة الحق تعالى كما قال تعالى : إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [ النّصر : 3 ] ، وسئل أبو حفص عن التوبة ، فقال : ليس للعبد في التوبة شيء لأن التوبة إليه لا منه ، كما أن اللّه تعالى نسب العصيان إلى آدم فقال : وَعَصى آدَمُ [ طه : 121 ] نسب التوبة إلى نفسه تعالى فقال : ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ( 122 ) [ طه : 122 ] وقيل : أوحى اللّه تعالى إلى آدم : يا آدم ، ورثت ذريتك التعب والنصب وورثتهم التوبة من دعاني منهم بدعوتك لبيته كما لبيتك . يا آدم أحشر التائبين من القبور مستبشرين ضاحكين ودعاؤهم مستجاب . فالنفس إذا تجلت بالإنابة دخلت في مقام القلب واتصفت بصفته ، لأن الإنابة من صفة القلب . قال تعالى : وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ( 33 ) [ ق : 33 ] . المرتبة الثالثة : الأوبة . وهي النفس الملهمة . قال اللّه تعالى : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 30 ] وهذه مرتبة خواص الأولياء ، والأوبة إلى اللّه من آثار الشوق إلى لقائه فمن تاب خوفا من عقابه فهو صاحب توبة ، ومن تاب طمعا في ثوابه فهو صاحب إنابة ومن تاب شوقا إلى لقائه فهو صاحب أوبة ، فالنفس إذا تحلت بالأوبة دخلت في مقام الروح ، وهو مقام العبودية الملكية كقوله تعالى : فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) [ الفجر : 29 ] ومن أمارات الأواب المشتاق أن يستبدل المخالطة بالعزلة ومنادمة الإخوان بالخلوة ، واستوحش عن الخلق واستأنس بالحق وجاهد نفسه في اللّه حق جهاده ، ساعيا في قطع تعلقاتها عن الكونين كما قال أبو يزيد : كنت ثنتي عشرة سنة حداد نفسي وخمس سنين كنت مرآة قلبي وسنة أنظر فيما بينها ، فإذا في وسطي زنار ، فعملت في قطعه ثنتي عشر سنة ، ثم نظرت فإذا في باطني زنار فعملت في قطعه خمس سنين ، أنظر كيف أقطع ، فكشف لي فنطرت إلى الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات . والمرتبة الرابعة : الرجوع . وهي للنفس المطمئنة . قال اللّه تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ وهذه مرتبة أخص الأولياء والأنبياء وقوله ارجعي إلى ربك صورة جذبة العناية الربوبية إلى نفوس الأنبياء والأولياء تجذبها أنانيتها إلى هوية ربوبية راضية ، أي طائعة تلك النفوس شوقا إلى لقاء ربها مرضية ، أي على طريقة مرضية في السير لربها ، كما قال تعالى للسماء والأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصّلت : 11 ] بخلاف نزع نفوس الكفار بجذبة القهر وهي كارهة غير راضية على طريقة مكروهة من الكفر والفسق والجحود غير مرضية لربها ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه